يوميات عزة من أرض غزة على ضوء شمعة 0
انتهزت فرصة عودة الكهرباء ، قالوا أن الكهرباء ستمكث ثلاث ساعات ، هل يعقل أن نرى المصباح مضاء ، هل يعقل أن نفارق الشموع ، فأنا أحرص على الإكثار منها برغم قلتها في السوق ، بل إن ثمن الشمعة الواحدة حوالي جنيهان بالعملة المصرية ، آثار الشمع في كل مكان في بيتي ، فلا تخلو أي قطعة من الأثاث إلا وفيها بقايا شمع ، ستة أيام لم نرى الكهرباء ، ثلاث ساعات هذا وقت طويل جداً ، فرح أولادي كثيراً فعندي ولدان وبنتان ، وأبني الثالث حي يرزق ولكن عند رب العالمين ، فقد استشهد قبل ثلاث شهور عندما قصفته طائرة صهيونية مع مجموعة من الشباب عندما كانوا مرابطين ،كان عمره حينها 18 عام ،أخبرني رفاقه أنه لم يدع مهمة تفوته ، فكلما طلبوا شيئاً من أحدهم أو مهمة ، كان يبادر على الدوام ويقول أنا لها أنا لها ، قال الشباب بعد استشهاده بأنه كان يجيد ضرب الصواريخ ، فقد كان يومها صائماً ، اعتاد قيام الليل ، حفظ نصف القرآن ( 15 جزء ) كنا نراه كل يوم بين آذان المغرب وآذان العشاء فقط ،كان يتمنى أن يصبح طبيباً ليعالج أبناء وطنه ، فقد كان متفوقاً جداً في دراسته ، اختار طريق الجهاد ، بعدما رأى ما يحدث في بلده ، لقد استدنت مالاً عندما طلب مني تجهيز ملابسه العسكرية ، قالها رحمه الله بلطف وبذكاء ، قال يا أبي أعلم حالتك المادية جيداً ، فهل لك أن تقرض الله قرضاً حسناً ، جهزني للجهاد ، وأعدك ألا أطلب منك شيئاً غيرها ، فإن أسمى ما أتمنى أن أستشهد في سبيل الله ،هل تكره يا والدي أن أكون سعيداً ، فسعادتي في الجهاد والاستشهاد ، لقد فرحتم كثيرا عندما ولدت ، وبكيت أنا ، أليس كذلك ، الآن أريد أن أفرح بموتي ، وأرجوا الله أن لا تبكوا حينها ، لا تحزنوا وكونوا على ثقة بأني سعيد ، لن أطلب منك بدله لعرسي ، فقد خطبت سبعون حورية ، جهزني ولك مني شفاعة الشهداء يوم العرض ، وبكى يومها على حال الوطن ومعاناته ، وجهزته ودخل التدريب الشاق ، وكان يغيب بالأيام ولا نراه ، وكان يجيب أمه عندما تسأله يكفيك يا أمي ساعتان في اليوم ، والباقي لطاعة الله وللجهاد ، حزنت عليه كثيراً ، ولكني لم أسمح لأحد أن يرى دموعي ، ولكن زوجتي سامحها الله فضحها دمعها ، وبعدما عنفتها على ذلك أراها تبكي في الليل وحيدة فقط ، حلمت يوماً أن دم ابنها خرجت منه نبتة صغيرة ، فأخذت تكبر شيئاً فشيئاً حتى أصبحت شجرة عملاقة ، لا ترى فروعها العلوية ، وكلها ثمار جميلة ، ففرحنا بهذا الحلم يومها كثيراً ،لقد فاز ، نعم فاز فوزاً ما بعده فوز ، فهو الآن في واحات الجنان يعيش ، آه يا فلذة كبدي كم أفتقدك ، اشتقت لبسمتك الجميلة ، ولكن لا بأس فقد تمنيت وصدقت ونلت ، عشت عاشقاً للموت في سبيل الله ، ومتنا ونحن نلهث خلف الحياة ، ترى بنور الأنوار نور الإله ، ونعاني في ظلام دنيانا الآه ، حياتنا دنيا وأنت في أرقى حياة ، كنت قدوتك وأنت الآن قدوتي ، سبقتني للجنة فما هي آخرتي ، آه يا ولدي ، عذراً لقد ابتعدت عن موضوعنا ، فنحن الآن في فرحة عودة الكهرباء ، قالت زوجتي أم محمد ، لقد أعددت جدولا لهذا الأمر ، سوف أغسل إن شاء الله على الغسالة ، تعبت يداي من الغسيل اليدوي بالماء البارد ، سوف أخبز بعض الأرغفة ، فأفران غزة مغلقة منذ أيام ، وسوف وسوف ، قلت لها مستهزئاً كل هذا في ثلاث ساعات ، قالت نعم ولم لا ، قال ابني الثاني ، عز الدين ، أما أنا فسوف أذاكر أخيراً على الكهرباء ، لا أرى يا أبي جيداً على نور الشمعة ، كان الله في عون جيراننا حتى الشمع لا يجدونه ، آسف يا والدي لقد أعطيت خمس شمعات لصديقي اليوم ، فقلت له حسناً فعلت يا ولدي ، قال ابني الصغير مجاهد ، سوف أشاهد التلفاز ، مللنا سماع الأخبار من الراديو ، أخيراً سنرى صور ، مجاهد عمره 4 سنوات ونصف ، وهو في الروضة القريبة ، يتمنى أن يلتحق بكتائب القسام عندما يكبر ، ينام وهو يحضن صورة أخيه محمد ، يعتقد أن حدود العالم هي حدود قطاع غزة فقط ، ويأتي اليهود الأشرار من خارج الكوكب ، لينغصوا علينا حياتنا ، يعرف الطائرات ولكن العسكرية فقط ، يعرف الألعاب ولكن الحربية فقط ، يبكي على حال صديقه أسامة ، فهو مريض بالصدر ، ويحتاج إلى تبخير كل يوم ، والتبخير يحتاج للكهرباء ، والكهرباء مقطوعة ، وبذلك يمكن أن يخسر اعز أصدقائه ، أجبرني يوماً للذهاب معه للمستشفى لزيارة أسامة ، عذراً مرة أخرى لقد ابتعدت عن موضوعنا ، عادت الكهرباء ، فرح مجاهد من أجل صديقه أسامة ، عجنت أم محمد ، طلبت من إحدى بناتي أن تخبز عندما يتخمر العجين ، وطلبت من الأخرى مساعدتها في جمع الملابس الوسخة ، لغسلها في الغسالة ثم نشرها على الحبال ، فتحت الثلاجة فلم أجد شيئاً ، فانقطاع الكهرباء لا يسمح بوضع شيء في الثلاجة ، شغلتها وهي فارغة ، صوت فرحة الجيران يخترق الجدران ،من حقهم أن لا ينقطع عنهم الكهرباء ، خصوصاً في أيام الامتحانات ، والله حرام ، هذه أقوال ابني الثاني عز الدين ، فهو في الرابع الابتدائي ، متفوق جداً ، لقد سألني بالأمس سؤالاً ، تحيرت في إجابته عليه ، كان السؤال هل يعقل يا أبي أن لا نجد الوقود في غزة ، والعالم العربي عائم فوق محيط من النفط ؟ هل يعقل أن يموت مرضى غزة والعالم العربي فيه خيرة أطباء العالم ؟ هل من العدل أن نجوع والعرب منهم مجموعة من قائمة أغنى أغنياء العالم ، ألسنا من يدافع عن كرامة الأمة ، وسألني أخيراً هل يوجد حقاً شعوباً عربية ، هل يوجد حقاً مسلمون في العالم ، أم إنها قصص خيالية تقولها أنت والمعلمين في المدرسة ، قولوا بالله عليكم ماذا أقول لعز الدين ، عذراً للمرة الثالثة ، فالكهرباء حلوة ، رائعة ، مريحة ، جعلت زوجتي تبتسم ، أخيراً رأيت أسنانها الجميلة ، والله لقد سمعتها تغني وهي تعجن ، أليس هذا غريب ، يا رب لك الحمد والشكر على أنعمك ،أما أنا فقد جلست على الحاسوب لأكتب لكم ، عسى أن تعرفوا من نحن ، أتساءل هل هناك فرق بيننا وبينكم ، ألسنا عرب ، ألسنا مسلمون ، ألسنا بشر ، هل تعرفون أو يعرف أبنائكم المنعمون بالكهرباء ، معنى الرباط ، أو الجهاد ، أو الاستشهاد ، أو حتى ما هي الحور العين ، اسألوا أبني عز الدين عن هذه المصطلحات المعقدة ، فهو يعرف معناها جيداً ، أم هو عيب أن يعلمكم طفل في الروضة ، أعتقد أنه رجل ، والكثير منكم !!!! لا نريد منكم شيئاً ، نريد ونريد من الله ، فعلى الأقل لا تنسونا من الدعاء ، عذراً خرجت عن الموضوع ،فقد فقت من هواجسي على صوت زوجتي وهي تنادي أحدى بناتي ، أسرعي ، لم تكملها قطعت الكهرباء ، عجباً لم يمضي سوى ساعة فقط ، لماذا ؟؟؟؟؟؟؟ فتحت المذياع ، المذيع يقول أن الكهرباء ، للمستشفيات ، وكل منطقة ساعة فقط ، الحمد لله على نعمته المرضى أهم ، صرخ عز الدين الآن أسامة ينعم بالتبخير ، هو أهم ، أليس كذالك يا أبي ، قلت نعم ، فقالت أم محمد والعجين والغسيل وووو ، قال أبني مجاهد : أريد أن أعطي الجيران بعض الشمعات ، فأكيد لا يوجد عندهم ، قالت أم محمد خذ بعض الأرغفة التي جهزتها أختك لهم معك ، وبعوض الله على باقي العجين ، الحمد لله عندنا ما يكفينا من الخبز لغداً ، فقلت لها لا أريد شيئاً من الدنيا إلا روية أسنانك الجميلة وهي تبتسم ، حتى ولو كان على ضوء شمعة 0